مرة رابعة: اختيارات سيئة

المؤشرات كلها تدل على اننا ذاهبون مرة اخرى فى نفس الاتجاه الذى سلكناه من قبل واننا سنعيد اخطائنا فى انتخاب مرسى وتأييد ناصر والتعاطف مع مبارك فى التأييد باسلوب الشيك على بياض وبصرف النظر عن ان كان السيسى يمتلك من القدرات والامكانات والرؤى التى تجعله افضل من سابقيه ومن منافسه الحالى ام لا (بالتأكيد هو اكثر دهاءً ومهارة من مرسى واكثر خبرة وقدرة من الناحية الإدارية عن حمدين) الا ان آفة الشعب المصرى هى انه عندما يؤيد فهو يؤيد تأييداً مطلقاً وبدون تحفظات مما اوقعنا فى كل ما نحن نعانى منه الان.
حدث هذا اثناء حكم عبد ناصر عندما لاحت فرصة ذهبية للتغيير المبنى على حساب من اخطأ واسقاط من لم يحقق الاهداف يوم ان استقال الرئيس بعد هزيمة مدوية يتحمل هو بالاساس مسئوليتها فخرج الشعب يرجوه البقاء وحدث مرة اخرى عندما “سرح” مرسى بالشعب فى وعد المائة يوم ثم عاد وكذب عليه باعلانه عن انجازات لم تتحقق وتسامح الشعب معه فى فترة كان هو فى قمة الفشل بينما كانت شعبيته فى اوجها. الا يعد ذلك إخلالاً بمبدئى المحاسبة والمسئولية اللازمين لضمان كفاءة الادارة وإعلاء للعاطفة على مصلحة الوطن؟
السيسى الاختيار الرومانسى
المشكلة ليست فى انتخاب السيسى ولكن فى كيف ينتخب. فالشعب الان ينتخبه بناء على قائمة من الاسباب المزيفة والمبررات العاطفية الرومانسية فانا لا افهم هؤلاء الذين يؤيدون السيسى لانه “دكر” رغم انهم لم يشاهدوا له وجهاً يبرر اسباغه بتلك الصفة. فالمشير يتكلم بصوت ناعم ويتوعد بكلمات متحفظة وتمتلئ خطبه بالمفردات العاطفية مثل العيون والقلوب والاحضان (الا يذكرنا ذلك بخطاب مرسى) وبالطبع هذا لا يدل على ان القائد العام للقوات المسلحة شخصية ناعمة او ضعيفة ولكنها تشير الى ان السيسى لا يظهر ما يبطن فهل يعقل ان يصل الى اعلى المناصب فى الجيش بتلك الشخصية الناعمة والكلام المعسول فهناك سيسى اخر لا نعرفه وانا لا استطيع تأييد من لا اعرفه رغم ان السياسى يجب ان يكون لديه المرونة والدهاء ولكن هذا لا يستلزم بالضرورة ان يكون شخصاً غامضاً .
اما افعاله فلم نشاهد فيها الشدة عدا فى خلع مرسى والذى استمد قوته من الجيش والشرطة وزملائه بالمجلس العسكرى بالإضافة الى جموع غفيرة من الشعب اما ما تلا ذلك فقد ينم على بعض الدهاء ولكنه لا ينم على القوة. فاذا كان مفهوم المؤيدين عن القوة هو البطش فالسيسى تردد كثيراً قبل ان يقبض على رموز الاخوان وقبل ان يفض اعتصام رابعة اما اذا كان مفهوم القوة هو النجاح فى السيطرة فاى سيطرة تلك التى لا تتضمن القدرة على حماية مديريات الامن والمنشآت الحكومية والكنائس واقسام الشرطة ومقار المخابرات وحافلات الجنود من خطر محقق ومتوقع…الخ.
ويزداد الموقف سوءاً بسبب الاساتذة فى الاعلام فهو يصطف حوله مثل تلاميذ الابتدائى ولا يجرؤ على مواجهته باسئلة ساخنة وبالضغط عليه عندما تكون ردوده حمالة اوجه او عندما يتهرب من الاسئلة او عندما يناقض نفسه.
غياب العلاقة التعاقدية
وسيرد البعض لماذا تلقى اهمية كبيرة على اسباب الاختيار واسلوبه اليس المهم هو الاختيار نفسه؟ هنا اذكركم بما قلت فى بداية هذا المقال من ان آفة الشعب المصرى هى اعطاء القائد توكيلاً مفتوحاً. فاسلوب الاختيار يعطى للمنتخب رسالة وتلك الرسالة تقول افعل ما شئت فانت الادرى بالصواب لا يهم اذا تأخرت النتائج فالمهمة صعبة ولا يهم ان وعدت فأخلفت فكل من قبلك وعدوا واخلفوا فقد تسامحنا حتى مع مرسى فى بادئ الامر لكنه كان قد قرر ان يمشى على خطى مبارك فى اخر ايامه فاجهزت عليه قوانين الطبيعة: نفس الافعال تؤتى بنفس النتائج. ان التأسيس لمبدئى المسئولية والحساب لمن ضرورات التقدم وتطبيق المبدئين يتطلب توضيح من المرشح لما يهدف الى إنجازه وما يعتقد انه سيتمكن من تحقيقه ليصبح ذلك بمثابة العقد بين الطرفين يتيح للناخب الحكم على اختياره وقياس مدى نجاحه بعيداً عن تمييع المسئولية وإعتبارها مشتركة بينه وبين الشعب فالطبع الشعب هو جزء من المعادلة ولكن مهمة الرئيس هو قيادته فاذا لم يستطع فهذا يحسب عليه وليس له.
ليس من مصلحة مصر
كل مواطن حر فى ان يختار من يراه الافضل وان يمتدح من يشاء وان يصوت لمن يثق به ولكن ليس من مصلحة مصر التطبيل لاى شخص ولا الانقياد الاعمى ولا الاستغناء عن الحرص ولا اظهار البلاد بمظهر من مظاهر التخلف ولا اصباغها بملامح الديكتاتورية التى تؤثر على وزن الدولة دولياً وعلى قدرتها على جذب الاستثمارات.
هل ممكن ان ينجح السيسى؟
لا اعتقد ان السيسى يتمتع بالامكانات الخارقة التى يصورها الاعلام والمهللون من مؤيديه ولا اعتقد انه يتمتع بالمميزات المطلوبة للدفع بالدولة المصرية للامام على المدى البعيد فى مواجهة مشاكلها المزمنة لكن ربما يكون لديه القدرة على عبور تلك المرحلة فما فعله بمرسى والاخوان يدل على انه يعرف من اين تؤكل الكتف والتأييد الخليجى الذى حصل عليه يدل على قدرته على الطرق على الحديد وهو ساخن. وأعتقد ان البلاد الان قد وصلت الى القاع (مرحلة ما قبل الفوضى) من الناحية الامنية والادارية والاقتصادية والسياسية بدرجة ان اى نتيجة ايجابية للاصلاح ستحسب على انها مكاسب غير متوقعة…مجرد العودة الى الحالة الامنية المتردية التى كنا نعيشها فى الايام الاخيرة قبل سقوط مبارك ستسعد الملايين وربما تعتبر انجازاً غير عادي.
الاجابة: من المرجح ان ينجح السيسى على المدى القصير فى تحقيق بعض النجاحات وفى احداث تحسن ولكن لا اعتقد انه يستطيع اعادة بناء الدولة المنهارة ولا رأب الصدع الذى اصابها والذى يشترك هو والاخوان فى تحمل مسئوليته. فقد شارك فى وصولهم للحكم ثم قام بخلعهم قبل ان يخلعهم الشعب مفوتاً علي الشعب فرصة ان يملى إرادته بالشكل الصحيح لكى نصل الى مرحلة النضوج السياسى. لكن لم يحن الاوان بعد.
العودة الى الوراء
اما وضع اساس الدولة المصرية الحديثة فلا يمكن ان يقوم به من يدين بالفضل لمن تسببوا فى انهيارها فالسيسى يعتمد على قطاعات من الشعب ومن مؤسسات الدولة الاكثر فساداً فهل يستطيع ان ينقلب عليها؟ والم نجرب من قبل من هم ذوى الخلفية العسكرية واستراتجيات يغلب عليها الفكر الامنى وعلى مدى ستون عاماً ثبت فشلهم؟ هل يجب ان نستمر فى اعادة استنساخ الفشل طمعاً فى مكاسب مرحلية صغيرة؟ الا تحتاج الدولة الى عقلية اكثر مرونة وابتكاراُ الا تحتاج الى الوعى السياسي والرؤية الاقتصادية؟ ما تقييمك ايها القارئ لرؤى الاقتصادية لكل من ناصر (الاقتصاد السلطوى) والسادات (الاقتصاد الفوضوى) ومبارك (الاقتصاد النخبوى) وما رأيك فى نتائج كل منها؟ وماذا سمعت من السيسى يطمئنك ان رؤيته الاقتصادية ثاقبة او ان لديه القدرة على تطبيق حلول فعالة؟
واخيراً هل لدينا اختياراً ؟ فاما ان ينجح السيسى فى العبور بالاقتصاد ومؤسسات الدولة الى مرحلة الاستقرار حتى نشم انفاسنا ونكمل مسيرة الاصلاح طويل الامد من بعده اما ان يأخذ المصريين الدرس الاخير ويتخلون عن اختياراتهم العاطفية والسطحية.
ولكن المشوار مازال طويلاً

Advertisements

About mhanno

Name: Mohamed Hanno الاسم: محمد هنو Occupation: IT business owner الوظيفة: شريك والعضو المنتدب لاحد شركات تكنولوجيا المعلومات Location: Alexandria, Egypt محل الاقامة: الاسكندرية
هذا المنشور نشر في Uncategorized, السياسة والناس, احداث 30 يونيو وكلماته الدلالية , , , , , , , , . حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s